الخطيب الشربيني
420
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
حبس عنهم فقالوا : أصابنا هذا بشؤمكم ولاستغرابهم ما ادعوه واستقباحهم له ونفرتهم عنه قالوا : لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا أي : عن مقالتكم هذه لَنَرْجُمَنَّكُمْ أي : لنقتلنكم قال قتادة : بالحجارة ، وقيل : لنشتمنكم وقيل : لنقتلنكم شر قتلة وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا أي : لا من غيرنا عَذابٌ أَلِيمٌ كأنهم قالوا : لا نكتفي برجمكم بحجر وحجرين بل نديم ذلك عليكم إلى الموت وهو العذاب الأليم ، أو يكون المراد وليمسنكم بسبب الرجم منا عذاب أليم أي : مؤلم ، وإن قلنا : الرجم : الشتم فكأنهم قالوا : ولا يكفينا الشتم بل شتم يؤدي إلى الضرب والإيلام الحسي ، وإذا فسرنا أليم بمعنى مؤلم ففعيل بمعنى مفعل قليل ، ويحتمل أن يقال : هو من باب قوله تعالى عِيشَةٍ راضِيَةٍ [ الحاقة : 21 ] أي : ذات رضا أي : عذاب ذو ألم فيكون فعيلا بمعنى فاعل وهو كثير . ثم أجابهم المرسلون بأن : قالُوا طائِرُكُمْ أي : شؤمكم الذي أحل بكم البلاء مَعَكُمْ وهو أعمالكم القبيحة التي منها تكذيبكم وكفركم فأصابكم الشؤم من قبلكم ، وقال ابن عباس والضحاك : حظكم من الخير والشر ، والهمزة في قوله تعالى أَ إِنْ ذُكِّرْتُمْ أي : وعظتم وخوفتم همزة استفهام وجواب الشرط محذوف أي : تطيرتم وكفرتم فهو محل الاستفهام والمراد به التوبيخ ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل الثانية ، وأدخل قالون وأبو عمرو بينهما ألفا ، وورش وابن كثير بغير إدخال ، والباقون بتحقيقهما مع عدم الإدخال . ولما كان ذلك لا يصح أن يكون سببا للتطير بوجه أضربوا عنه بقولهم بَلْ أي : ليس الأمر كما زعمتم في أن التذكير بسبب التطير بل أَنْتُمْ قَوْمٌ أي : غركم ما آتاكم الله من القوة على القيام فيما تريدون مُسْرِفُونَ أي : عادتكم الخروج عن الحدود والطغيان فعوقبتم لذلك . ولما كان السياق لأن الأمر بيد الله تعالى ، فلا هادي لمن يضل ولا مضل لمن هدى فهو يهدي البعيد في البقعة والنسب إذا أراد ، ويضل القريب فيهما إذا أراد وكان بعد الدار ملزوما في الغالب لبعد النسب قدّم مكان المجيء على فاعله بيانا لأن الدعاء نفع الأقصى ولم ينفع الأدنى فقال تعالى : وَجاءَ مِنْ أَقْصَا أي : أبعد بخلاف ما مر في القصص ولأجل هذا الغرض عدل عن التعبير بالقرية وقال الْمَدِينَةِ لأنها أدل على الكبر المستلزم بعد الأطراف وجمع الأخلاط ولما بين الفاعل بقوله تعالى : رَجُلٌ بين اهتمامه بالنهي عن المنكر ومسابقته إلى إزالته كما هو الواجب بقوله تعالى : يَسْعى أي : يسرع في مشيه فوق المشي ودون العدو حرصا على نصيحة قومه . تنبيه : في تنكير الرجل مع أنه كان معلوما معروفا عند الله تعالى فيه فائدتان ، الأولى : أن يكون تعظيما لشأنه أي : رجل كامل في الرجولية ، الثانية : أن يكون مفيدا ليظهر من جانب المرسلين أمر رجل من الرجال لا معرفة لهم به فلا يقال : إنهم تواطؤوا ، والرجل هو حبيب النجار كان ينحت الأصنام ، وقال السدي : كان قصارا ، وقال وهب : كان يعمل الحرير وكان سقيما قد أسرع فيه الجذام وكان منزله عند أقصى باب في المدينة ، وكان مؤمنا وآمن بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم قبل وجوده حين صار من العلماء بكتاب الله تعالى ورأى فيه نعت محمد صلّى اللّه عليه وسلم وبعثته وقوله : يَسْعى تبصير للمسلمين وهداية لهم ليبذلوا جهدهم في النصح . ولما تشوفت النفس إلى الداعي إلى إتيانه بينه بقوله تعالى : قالَ واستعطفهم بقوله تعالى : يا قَوْمِ وأمرهم بمجاهدة النفوس بقوله اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ أي : في عبادة الله تعالى وحده ،